تأملات

لماذا نكتب إذا لم يكن هناك من يقرأ؟

تأمل في قيمة الكتابة للنفس، وكيف تساعدنا الكلمات على الفهم والتذكر حتى حين لا تجد جمهورًا ولا تقيسها المشاهدات والإعجابات.

5 دقائق قراءة

يفتح الكاتب الصفحة البيضاء، ثم يمر السؤال الذي يصعب تجاهله: ماذا لو لم يقرأ هذا أحد؟ يبدو السؤال عمليًا، لكنه يخفي وراءه افتراضًا كبيرًا؛ أن قيمة الكتابة تأتي من العين التي تراها، وأن الكلمات التي لا تجد جمهورًا كأنها لم تُكتب. في زمن نستطيع فيه معرفة عدد المشاهدات والإعجابات خلال دقائق، صار الصمت حول النص يبدو أحيانًا حكمًا عليه، مع أنه قد لا يقول شيئًا عن قيمته.

نحن نخلط بسهولة بين أن تُقرأ الكتابة وأن تكون جديرة بالكتابة. القراءة تمنح النص حياة أخرى، وهذا جميل، لكنها ليست السبب الوحيد لوجوده. قبل أن يصل الكلام إلى شخص آخر، يكون قد فعل شيئًا في صاحبه: أجبر فكرة غامضة على أن تتخذ شكلًا، وكشف تناقضًا كان مختبئًا، أو وضع اسمًا لإحساس لم نكن نعرف كيف نقترب منه. الكتابة ليست نقلًا لما نعرفه فحسب؛ كثيرًا ما تكون الطريقة التي نعرف بها.

حين أفكر بصمت، أستطيع أن أنتقل من فكرة إلى أخرى من دون أن ألاحظ الفراغ بينهما. تبدو الحجة متماسكة لأنها لم تُختبر، ويبدو الشعور واضحًا لأنه لم يُطلب مني وصفه. أما حين أكتب، فإن الكلمات تقاوم الغموض. تسألني الجملة عن دليلها، وتفضح الفقرة ما تجاهلته الفكرة، ويجبرني البياض على أن أختار: ماذا أقصد حقًا؟ لهذا قد يبدأ النص بسؤال، وينتهي بفهم لم يكن موجودًا عند بدايته.

الكتابة للنفس لا تعني أن نكتب بإهمال. على العكس، حين لا ننتظر تصفيقًا سريعًا تصبح لدينا فرصة لأن نكون أكثر دقة. لا نحتاج إلى عنوان يَعِد بأكثر مما يقدم، ولا إلى رأي حاد فقط لأنه يلفت الانتباه، ولا إلى خاتمة مصممة لتُقتبس. نستطيع أن نترك للفكرة وقتها، وأن نعترف بعدم اليقين، وأن نحتفظ بسؤال مفتوح بدل أن نصنع له جوابًا مريحًا.

الأرقام مفيدة، لكنها فقيرة في تفسير ما يحدث بين النص وقارئه. مشاهدة واحدة قد تكون مرورًا عابرًا، وقد تكون شخصًا وجد عبارة احتاج إليها في وقت محدد. ألف إعجاب قد تعني أثرًا واسعًا، وقد تعني أن النص وافق مزاج اللحظة ثم اختفى. العداد يعرف أن الصفحة فُتحت، لكنه لا يعرف إن كانت فكرة منها بقيت بعد إغلاقها. وحين نسمح للرقم بأن يكون الحكم الوحيد، فإننا نطلب منه معرفة شيء لا يستطيع قياسه.

المشكلة ليست في أن نفرح بالقراءة أو نرغب في الوصول. كل كاتب يريد، بدرجة ما، أن يجد كلامه من يصغي إليه. المشكلة تبدأ حين يصبح القارئ المتخيّل حاضرًا قبل الفكرة نفسها، فيختار لها ما يرضيه، ويقص منها ما قد يبطئه، ويجعل الكاتب يراقب رد الفعل بدل أن يصغي لما يريد قوله. عندها لا نعود نكتب ثم ننشر؛ نبدأ بالأرقام ونحاول أن نصنع نصًا يناسبها.

هناك نصوص لا تحتاج إلى جمهور كبير لأنها تؤدي وظيفة مختلفة. ملاحظة تحفظ درسًا، وصفحة نفهم عبرها قرارًا، أو مقال يسجل نظرتنا إلى موضوع في هذه المرحلة. قد لا يثير أي منها اهتمام الناس اليوم، لكنه يصبح ذا قيمة حين نعود إليه بعد أعوام. القارئ الذي نكتب له أحيانًا ليس شخصًا مجهولًا في مكان بعيد، بل نحن في زمن لم يصل بعد.

هذا القارئ المستقبلي لا يحتاج منا حكمة كاملة. يحتاج صدقًا يساعده على تذكّر ما كان حاضرًا فينا ثم تلاشى. سيعرف أشياء لم نعرفها، وربما يرى أخطاءنا بسهولة، لكنه سيجد في النص ما لا تستطيع الذاكرة أن تمنحه: صوت اللحظة قبل أن يعاد ترتيبها. حتى المقال الذي لم يقرأه أحد عند نشره قد يصبح رسالة مؤجلة تصل إلى صاحبها في الوقت المناسب.

والكتابة التي تبدأ للنفس لا تبقى بالضرورة حبيسة النفس. المفارقة أن أكثر النصوص قدرة على لمس الآخرين قد تكون تلك التي لم تُكتب لملاحقة رضاهم. حين يصف إنسان سؤالًا حقيقيًا بصدق، قد يتعرف قارئ مجهول إلى نفسه فيه. ليست الخصوصية نقيضًا للمشاركة؛ أحيانًا تكون الطريق إليها. ما هو إنساني بعمق يستطيع أن يعبر من تجربة واحدة إلى تجارب كثيرة من دون أن يفقد صدقه.

حتى لو لم يحدث ذلك، وحتى لو بقي النص قليل القراء، فهو ليس عملًا ضائعًا. ليست كل الأشياء المهمة عروضًا عامة. نتعلم مهارة من دون جمهور، ونرتب غرفة لا يراها أحد، ونلتقط صورة لأن اللحظة تعنينا. الكتابة أيضًا يمكن أن تكون شكلًا من أشكال العناية: عناية بالفكرة حتى لا تبقى مشوشة، وبالذاكرة حتى لا تتبدد، وباللغة حتى تظل قادرة على حمل ما نريد.

ربما نحتاج إلى استعادة حقنا في كتابة نص هادئ لا ينافس شيئًا. نص لا يطلب أن يصبح حديث اليوم، ولا يشعر بالفشل إذا لم ينتشر. هذا لا يعني الانسحاب من العالم، بل رفض أن تكون كل علاقة به محكومة بالقياس. يمكن أن ننشر ونفرح بمن يقرأ، ثم نعود في اليوم التالي إلى الصفحة للسبب الأول نفسه: لأن هناك شيئًا لم نفهمه بعد، والكتابة أقرب الطرق إليه.

فلماذا نكتب إذا لم يكن هناك من يقرأ؟ لأن الكاتب نفسه كان أول قارئ، ولأنه لم يخرج من النص كما دخل إليه. نكتب كي نعطي أفكارنا فرصة لأن تصبح أوضح من ضجيجها، وكي نترك علامة على ما مر بنا، وكي نتحدث إلى نسخة مستقبلية منا ربما تكون في حاجة إلى هذا الصوت القديم. وإذا جاء قارئ آخر، فذلك لقاء جميل. وإن لم يأت، تبقى الكلمات قد أدّت مهمتها الأولى: ساعدتنا على أن نرى، ولو للحظة، ما كان سيمر داخلنا بلا اسم ثم يضيع.