تأملات

لماذا أنشأت maq.me؟ مساحة صغيرة لذاكرة لا أريد أن تضيع

لماذا نحتاج إلى مكان هادئ يحفظ أفكارنا بعيدًا عن سرعة المنصات؟ تأمل شخصي في إنشاء maq.me ليكون بيتًا رقميًا للذاكرة وما يستحق البقاء.

5 دقائق قراءة

ثمة فرق بين أن تمرّ الفكرة في الذهن، وبين أن تجد لها مكانًا تبقى فيه. كثير من الأفكار نعتقد أننا سنتذكرها، ثم تمضي الأيام فتتراجع ملامحها، ويظل منها إحساس مبهم لا نستطيع الإمساك به. لهذا أنشأت maq.me: لا باعتباره موقعًا يحتاج إلى ضجيج افتتاح، بل مكانًا صغيرًا أعود إليه كلما أردت أن أكتب شيئًا لا أحب أن يضيع.

الإنترنت الذي عرفناه صار أسرع من قدرتنا على التوقف. نكتب جملة في منصة اجتماعية، ننشر صورة، أو نشارك رأيًا خطر لنا في لحظته، ثم يأتي بعده سيل لا ينتهي من المنشورات. خلال ساعات يصبح ما كتبناه بعيدًا، وخلال أشهر قد يبدو كأنه لم يكن. لا لأن ما قلناه بلا قيمة، بل لأن شكل هذه المنصات صُمّم للحظة التالية دائمًا: للخبر الأحدث، والصورة الجديدة، والتنبيه الذي يطلب انتباهنا الآن.

لا ألوم وسائل التواصل على ذلك؛ فهي تؤدي الوظيفة التي بُنيت من أجلها، وتمنحنا طرقًا سريعة للقاء الآخرين ومتابعة العالم. لكنها ليست، في نظري، المكان الأفضل لحفظ حياة كاملة من الأفكار. الخط الزمني ليس أرشيفًا حقيقيًا، والمنشور الذي يعتمد بقاؤه على خوارزمية قد يصعب العثور عليه حتى على صاحبه. كنت أريد مساحة لا تتعامل مع ما أكتبه بوصفه مادة عابرة بين مادتين، بل صفحة لها عنوانها وتاريخها ومكانها المعروف.

ومن هنا جاءت فكرة هذا الموقع. منذ عام 2015 أملك النطاق matbaq.me، وكان يمثل حضوري الشخصي على الإنترنت لسنوات. أما maq.me فهو البيت الجديد: اسم أقصر، ومساحة أريدها أبسط وأقرب إلى ما أبحث عنه اليوم. الصلة بينهما ليست قطيعة مع الماضي، بل امتداد له؛ كأنني أنقل ما يهمني إلى غرفة أهدأ، وأرتب الرفوف من جديد، ثم أترك مكانًا واسعًا لما سيأتي.

لا أكتب هنا طلبًا للانتباه. فالكتابة التي تبحث عن الإعجاب وحده تتغير سريعًا لتناسب ما ينتظره الآخرون، بينما الكتابة التي تريد أن تحفظ شيئًا تكون أكثر صدقًا مع صاحبها. قد يقرأ هذه الصفحات عدد قليل، وربما تمر بعض المقالات من دون أن تصل إلى جمهور كبير، ولا بأس في ذلك. قيمة هذا المكان عندي لا تقاس بعدد الزيارات، بل بقدرته على الاحتفاظ بما كان يمكن أن يتبدد.

أعرف أيضًا أنني لن أبقى الشخص نفسه. ستتغير اهتماماتي، وستنضج بعض أفكاري، وقد أتراجع عن آراء أكتبها اليوم بثقة. وهذا ليس سببًا لحذفها أو إنكارها. على العكس، أظن أن رؤية المسافة بين فكرة قديمة وفكرة جديدة تمنحنا صورة أكثر صدقًا عن النمو. الإنسان لا يتقدم بخط مستقيم، ولا يصل إلى نسخة نهائية من نفسه؛ إنه يراجع ويضيف ويحذف ويتعلم، وفي كل مرحلة يرى العالم من نافذة مختلفة.

لهذا أريد أن أحفظ حتى الأفكار التي قد أخالفها لاحقًا. ليس لأن كل ما أكتبه يستحق الدفاع عنه إلى الأبد، بل لأن الأفكار القديمة شواهد على الطريق. حين أقرأ رأيًا كتبته قبل أعوام، أستطيع أن أسأل: ما الذي كنت أراه حينها؟ ما الذي لم أكن أعرفه؟ وما الذي حدث حتى تغيّر منظوري؟ الاحتفاظ بالماضي لا يعني السكن فيه، وإنما يمنح الحاضر جذورًا يمكن رؤيتها.

أجمل ما أتخيله لهذا الموقع هو لحظة بعيدة لا أعرف شكلها بعد: أن أعود بعد عشر سنوات أو عشرين إلى مقال قديم، فأجد تفاصيل لغتي، والأسئلة التي كانت تشغلني، والطريقة التي كنت أرتب بها أفكاري. ربما أبتسم لبعض العبارات، وربما أختلف مع نصف ما كتبته، لكنني سألتقي بنسخة حقيقية مني لا تستطيع الذاكرة وحدها أن تعيد بناءها. فالذاكرة بارعة في الاختصار وإعادة الترتيب؛ أما النص فيحتفظ بما قلناه قبل أن نعرف إلى أين ستأخذنا الأيام.

ومع الوقت، أتمنى أن يصبح maq.me أكثر من مجموعة مقالات. أريده أرشيفًا يتسع للذكريات والمشاريع والتجارب والأشياء الصغيرة التي صنعت فرقًا، حتى إن لم تبدُ مهمة في وقتها. لن يكتمل هذا الأرشيف في يوم واحد، ولا أريده أن يكتمل بسرعة. سيكبر بهدوء، صفحة بعد صفحة، مثل دفتر لا نكتب فيه لأن موعد التسليم اقترب، بل لأن شيئًا في هذا اليوم كان جديرًا بأن يُسجّل.

هناك طمأنينة خاصة في امتلاك مكان نستطيع ترتيبه وفق ما نؤمن به، بعيدًا عن تبدل المنصات وقواعدها. مكان لا يطلب مني أن أختصر كل فكرة لتناسب قالبًا، ولا يحوّل كل ذكرى إلى رقم في سباق التفاعل. هنا يمكن للمقال أن يأخذ مساحته، وللصمت بين مقالتين أن يكون طبيعيًا، وللكلمات أن تبقى متاحة حين أحتاج إليها، لا حين تقرر خوارزمية أن تعرضها.

ربما لن تترك حياتنا آثارًا كبيرة، لكن هذا لا يجعل آثارها الصغيرة أقل معنى. سطر صادق، أو فكرة تعلمنا منها، أو مشروع بذلنا فيه وقتًا، أو ذكرى خفنا أن تبهت؛ كلها أجزاء من قصة لا يرويها أحد بالطريقة نفسها التي نستطيع نحن أن نرويها بها. وفي عالم لا يتوقف عن التغير، يصبح الاحتفاظ بهذه الأجزاء فعلًا هادئًا من أفعال العناية: عناية بالوقت الذي مضى، وبالشخص الذي عشناه، وبالشخص الذي سنصبحه.

لست أكتب هنا لأن لدي ما يجب أن يقرأه الجميع، ولا لأنني أظن أن كل فكرة تستحق البقاء. أكتب لأن لدي ما لا أريد أن أنساه. ولعلني، حين أعود إلى هذه الصفحة بعد عشرين عامًا، لا أبحث عن إجابات عظيمة، بل أجد بين سطورها أثرًا واضحًا وصادقًا للشخص الذي كنته يومًا؛ فأعرف أن هذه المساحة الصغيرة أدّت مهمتها، وأن شيئًا مني لم يضع تمامًا.